سيف الدين الآمدي

60

غاية المرام في علم الكلام

وما قيل من أن الإرادة في الشاهد لا تفتقر إلى إرادة فغلط ، بل لا بدّ لها من مخصص من جهة كونها ممكنة وحادثة وإن لم يكن المخصص من جهة من له الإرادة شاهدا ، وعلى هذا يخرج كل ما يهولونه من الأمثال غير هذا المثال . وأيضا فإنها لو كانت حادثة لا في محل ، لم تكن نسبتها إلى الباري تعالى بكونه مريدا بأولى من نسبتها إلى غيره من الحوادث . وليس يجب القول بتغير نسبتها إليه لما بيناه من الاشتراك في نفي المحلية عنهما ، فإنه مع ما فيه من انتفاء جهة اللزوم ليس هو بأولى من نسبتها إلى غيره من الحوادث لما بينهما من الاشتراك في الحدوث ، بل وهو الأولى من حيث إن ما يتحقق بين الحوادث من الاشتراك والنسب أكبر منها بين القديم والحادث على ما لا يخفى . ثم ولو وجب نسبتها إليه لما اشتركا فيه من نفي المحلية لوجب نسبتها إلى سائر الجواهر والأجسام ؛ إذ هي مشاركة لها في هذا المعنى ، كيف وإنه لو جاز أن يكون مريدا بإرادة قائمة لا في ذاته ، لجاز أن يكون عالما بعلم قائم لا في ذاته ، وقادرا بقدرة قائمة لا في ذاته ؟ إلى غير ذلك من الصفات ولم يقولوا به ، ولجاز أيضا أن يكون الواحد منا عالما وقادرا بعلم قائم لا في ذاته ، وقدرة قائمة لا في ذاته ، ولم يقولوا به أيضا ، والتحكم بالفرق من غير دليل مما لا سبيل إليه . وبهذا تبين إبطال القول بالقسم الثاني أيضا . كيف وإنه مما لا قائل به ؟ فلم يبق إلا أن تكون قائمة بذات الرب تعالى . وإذا كانت قائمة بذاته ، فإما أن تكون قديمة أو حادثة . لا جائز أن تكون حادثة كما ذهب إليه الكرامية ، إذ قد بينا وجه إبطاله ولا حاجة إلى إعادته . وسنبين امتناع قيام الحوادث بذات الرب تعالى فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . فتعين أن يكون الرب تعالى مريدا بإرادة قديمة قائمة بذاته ، وهو ما أردناه . فإن قيل : فلو كان المخصص قديما لانقلب ما ذكرتموه في امتناع إضافة التخصيص إلى ذات واجب الوجود عليكم فيما تدعونه مخصصا ، فإنه إذا